عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
353
اللباب في علوم الكتاب
الملوك ، فعمرها وجدّ في ذلك ، حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل . وقيل : إنه لمّا مضى لمدته سبعون سنة ، أرسل اللّه ملكا من ملوك فارس عظيما يقال له « كوشك » فعمّرها في ثلاثين سنة . وقال الضحاك : هي الأرض المقدّسة « 1 » . وقال الكلبيّ : هي دير « 2 » سابر أباد وقال السديّ مسلم أباد ، وقيل : دير هرقل . وقوله : « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ » في « أنّى » وجهان : أحدهما : أن تكون بمعنى « متى » . قال أبو البقاء « 3 » رحمه اللّه : « فعلى هذا تكون ظرفا » . والثاني : أنّها بمعنى كيف . قال أبو البقاء « 4 » رحمه اللّه : فيكون موضعها حالا من « هذه » ، وتقدّم لما فيه من الاستفهام ، والظاهر أنها بمعنى كيف ، وعلى كلا القولين : فالعامل فيها « يحيي » ، و « بعد » أيضا معمول له . والإحياء ، والإماتة : مجاز ؛ إن أريد بهما العمران والخراب ، أو حقيقة إن قدّرنا مضافا ، أي : أنّى يحيي أهل هذه القرية بعد موت أهلها ، ويجوز أن تكون هذه إشارة إلى عظام أهل القرية البالية ، وجثثهم المتمزقة ، دلّ على ذلك السياق . قوله : « مِائَةَ عامٍ » قال أبو البقاء « 5 » رحمه اللّه : « مِائَةَ عامٍ » : ظرف لأماته على المعنى ؛ لأنّ المعنى ألبثه مئة عام ، ولا يجوز أن يكون ظرفا على ظاهر اللفظ ، لأنّ الإماتة تقع في أدنى زمان ، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف ، تقديره : « فأماته اللّه فلبث مائة عام » ، ويدلّ على ذلك قوله : « كَمْ لَبِثْتَ » ، ولا حاجة إلى هذين التأويلين ، بل المعنى جعله ميّتا مائة عام . و « مئة » عقد من العدد معروف ، ولامها محذوفة ، وهي ياء ، يدلّ على ذلك قولهم : « أمأيت الدّراهم » ، أي : صيّرتها مئة ، فوزنها فعة ويجمع على « مئات » ، وشذّ فيها مئون ؛ قال القائل : [ الطويل ] 1200 - ثلاث مئين للملوك وفي بها * ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم « 6 » كأنّهم جروها بهذا الجمع لما حذف منها ؛ كما قالوا : سنون : في سنة .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 243 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 109 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق . ( 6 ) البيت للفرزدق ينظر ديوانه ( 853 ) ، المقتضب 2 / 170 الأشموني 4 / 65 ، ابن الشجري 2 / 24 ، العيني 4 / 480 ، المفصل لابن يعيش 6 / 21 ، الدر المصون 1 / 624 .